-المقاومة اللبنانية وحرب إسرائيل الخاسرة
سوف يؤخذ نموذ حزب
الله باعتباره دليلاً على إمكانية إنشاء التحالفات التي تتجاوز الحدود الدينية.
وبالفعل تشعر الأنظمة العربية الآن بالقلق إزاء تأثير النصر الذي حققه حزب الله
على الغالبية السنية من السكان.
أثر الانتصار
حقق حزب الله أنتصار ملموساً
في الصيف الماضي، وهو ما قلل من جحم إدعاءات القوة الإسرائيلية ومن ثم أعطى دفعة
لكل القوى الراغبة في إحداث تغيير جذري في الشرق الأوسط. غير أن حزب الله لا
يمكنه أن يكون الأداة السياسية من أجل إحداث هذه التغيير. ولا يعود ذلك إلى
المفاهيم الدينية التي يتبناها، ولكن لأنه يوجد خلف هذه المفاهيم اعتماد على قوى
طبقية لا يمكننا أن تسير إلى أبعد من نقطة معينة في المواجهة مع الإمبريالية
وإسرائيل. ويجب أن نقول هنا مراراً وتكراراً أن النصر ضد الإمبريالية في أي بلد
لا يمكن أن يتحقق ببساطة عبر نضال يقتصر على هذا البلد وحده، وأن الانتصار على
الصهيونية لا يمكن أن يحدث ببساطة عبر نضال يقتصر على فلسطين. فالمطلوب هو
انطلاقة في بلد واحد يمكن أن تطلق العنان لعملية ثورية في المنطقة كلها. وسوف
يساهم انتصار حزب الله في ذلك طالما أنه يفتح طريق الرؤى المتفائلة بشأن الممكن،
مثلماً أغرقت هزيمة 1967 النشطاء في المنطقة في اكتئاب تشاؤمي.
ربما يؤدي انتصار حزب الله إلى تزايد جاذبية أشكال النزوع الإسلامي على المدى
القصير. لكن يمكن أن يحدث أيضا تحول مهم فيما يتعلق بالرؤى الإسلامية ذات الشعبية.
فقد شجعت هزائم الماضي على سيادة رؤية ضيقة للإسلام، عززت من التدين التطهري من
ناحية، والأشكال النخبوية من العمل الفردي على النمط الجهادي ناحية أخرى. وإزاء
فشل هذا الخيار بشكل بائس مثلما حدث في مصر والجزائر، سقط عديد من النشطاء في هوة
أشكال مستأنسة من الإصلاحية الدينية. كما أن التشديد على التطهرية الدينية أدى
إلى وضع أولئك الذين يتبنون تأويلا معيناً للدين ضد من يتبنون تأويلاً آخر – لا
يقتصر الأمر هنا على وضع الإسلام في مواجهة الأديان الأخرى، ولكن أيضاً على وضع
السنة في مواجهة الشيعة. ويمكن أن تلعب الإمبريالية وعملائها على هذه الانقسامات،
كما هو الوضع في باكستان، وفي العراق وإن كان بشكل أكثر دموية، كما يمكن أن
يستفيد من تلك الانقسامات أيضاً الانتهازيون الذي يرغبون في إيجاد قاعدة لهم في
عالم السياسة.
سوف يعمل انتصار حزب على خلفية ثلاثة توجهات. فسوف يؤخذ نموذج حزب الله باعتباره
دليلاً على إمكانية إنشاء التحالفات التي تتجاوز الحدود الدينية. وبالفعل تشعر
الأنظمة العربية الآن بالقلق إزاء تأثير النصر الذي حققه حزب الله على الغالبية
السنية من السكان. لكن المسألة تتجاوز ذلك. فالانتصارات توسع من أفق الشعوب. فهي
تجعلها ترى إمكانات لم تكن قد تصورتها أبداً من قبل. والأمثلة المناهضة
للإمبريالية في مناطق أخرى من العالم – كمظاهرات مناهضة الحرب في أوروبا
والولايات المتحدة، وسحب هوجو شافيز السفير الفنزويلي في إسرائيل – يمكن أن تفتح
عقول الناس ليروا أن لديهم حلفاء غير مسلمين، كما أن لهم أعداء مسلمين يتمثلون في
النظم العربية الحاكمة.
وفي كل هذا، يجدر بنا أن نكرر آلاف المرات أن أساليب حزب الله هي عكس أساليب
القاعدة. ولا يرجع ذلك إلى أن دعاية حزب الله ترفض عمليات زرع القنابل التي تقتل
المدنيين في الدول الغربية ودول العالم الثالث، ولكن أيضاً إلى كون النجاحات
العسكرية التي حققها اعتمدت على عمل الحزب بين الجماهير. على أن حدود حزب الله
تكمن في أنه لا يرى أن هناك حاجة للعمل الجماهيري بين الشعوب التي تعاني من
الإمبريالية وحلفائها من الرأسماليين المحليين في البلدان الأخرى في العالم
العربي – أي العمال والفلاحين في مصر وسوريا والأردن وباقي المناطق. غير أن هذا
النصر، أي نصر حزب الله، سوف يجعل الأمر أكثر سهولة بالنسبة لأولئك الذين يرون
تلك الحقيقة في جذب أنصار، بما فيهم بعض الذين يتبنون مفاهيم إسلامية معينة.
ماذا بعد بالنسبة للولايات
المتحدة؟
إن الوضع الحالي خطير بالنسبة
للإمبريالية الأمريكية بشكل عام وإدارة بوش بشكل خاص. فالضربة التي استهدفت تدمير
حزب الله وإضعاف سوريا وإيران جاءت بأثر عكسي. فحتى قبل اتضاح نتائج حرب الـ33
يوماً، حذر المعهد الملكي للشئون الدولية ذو المكانة العالية، من أن إيران كانت
الرابح الأعظم في الكارثة العراقية: "ليس هناك شك كبير في أن إيران هي المستفيد
الرئيسي من الحرب على الإرهاب في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، بمساندة دول
التحالف، أزالت إثنين من حكومات المنطقة المعادية لإيران – حركة طالبان في
أفغانستان في نوفمبر 2001، ونظام صدام حسين في العراق في إبريل 2003 – ولكنها
فشلت في إستبدالهما ببنى سياسية متماسكة ومستقرة."[1]
تعتبر إيران أن العراق هي الخلفية
الجنوبية لها، ويتجاوز تأثيرها على العراق تأثير الولايات المتحدة. ويعطي ذلك
إيران دوراً رئيسياً في مستقبل العراق. كما أن إيران لديها وجوداً بارزاً وصلات
اجتماعية قوية في أفغانستان، جارتها الأخرى الممزقة بالحرب.[2]
والآن، تزايدت مكانة حزب الله بشكل
هائل. وفي الواقع، أُجبرت الأنظمة العربية التي كانت ترغب في رؤية حزب الله
مهزوماً، أن تظهر موقفاً معاكساً، على الأقل لفظياً، وتشيد بقدرة الحزب على قتال
الإسرائيليين.
كيف سيكون رد الفعل الأمريكي الآن؟
إن رد الفعل الأمريكي الأقل احتمالاً هو القبول بمنطق الهزيمة وسماع نصائح البعض
مثل المعهد الملكي للشئون الدولية الذي يدعو الولايات المتحدة إلى قبول القوة
الإيرانية والتعامل معها: "إن إيران في وضع قوة إقليمية، وهناك حاجة للتعاون معها
والاستفادة من تأثيرها الإيجابي من أجل تهدئة النيران المشتعلة حالياً.. إن حل
الأزمات العديدة للمنطقة يتطلب جزئياً تطوير علاقة إيران بالغرب عبر دبلوماسية
حذرة وصبورة على الجانبين. يتم تصوير إيران باستمرار باعتبارها مراوغة وتسهم في
تأجيج العنف في الشرق الأوسط الواسع. إن النظام الإيراني حذر من تعميم الفوضى في
المنطقة، لإن هذا النظام هو في أساسه محافظ ويسعى إلى الحفاظ على الوضع الراهن."[3]
وعملياً يعني ذلك أن يكرر بوش
سابقة زيارة ريتشارد نيكسون للصين في 1972 بعد أن بات واضحاً استحالة انتصار
أمريكا في فيتنام – بهدف عمل صفقة مع قوة إقليمية صُورت في السابق باعتبارها مصدر
الشر.
لكن لا توجد دلائل على أن إدارة بوش تنوي اتباع نفس النهج. حيث أنها تراهن بقوة
على قدرتها على تقوية الهيمنة الأمريكية على العالم والحفاظ عليها عبر مشروع "القرن
الجديد". وهي تخاف أن أية صفقة مع إيران لن تقوم فقط بتهديد هذا الطموح، وإنما
أيضاً بتقليص النفوذ الأمريكي. وسوف يشجع نجاح قوة متوسطة ضعيفة نوعاً ما مثل
إيران في أن تفرض على الولايات المتحدة تغيير سياستها.. سوف يشجع دولاً أخرى على
اتباع نفس طريق التحدي.
ويعد الخلاف الوحيد بين معسكر بوش والتيار النقدي الأساسي لهذا المعسكر هو أن
الأخير يرى أن الولايات المتحدة يجب أن تبني جسور التعاون مع "أوروبا القديمة"
وروسيا من أجل الضغط على إيران وإجبارها على الاستسلام رمزياً عن طريق التخلي عن
برنامجها النووي. فكما يقول توماس فريدمان، الصحفي المؤيد للإمبريالية وقت ذروة
حرب لبنان: "لكن على الإدارة الآن أن تقر بما يجب أن يقر به أي شخص – بما فيهم
أنا – يؤمن بأهمية أن يتحسن الوضع في العراق، وهو أن هذا الوضع لا يتحسن، ولا
يمكننا أن نلقي بحياة الناس الطيبين الواحد تلو الآخر.. لكن ثاني أفضل الحلول هو
أن نترك العراق. لأن الخيار الأسوأ – والذي تحبه إيران – هو أن نبقى في العراق،
ننزف، وفي مدى يمكُن إيران من ضربنا إذا ما ضربنا مفاعلاتها النووية.. نحن نحتاج
للتعامل مع إيران وسوريا، ولكن من موقع قوة – وهو ما يتطلب تحالفاً واسعاً. كلما
احتفظنا بالاستراتيجية الأحادية الفاشلة، كلما كان أصعب بالنسبة لنا بناء مثل هذا
التحالف."[4]
لكن التوصل إلى حل وسط مع أوروبا القديمة وروسيا (ناهيك عن الصين) هو أمر صعب.
فالدافع وراء الحرب على العراق لم يكن مجرد السيطرة على النفط العراقي لصالح
شركات النفط الأمريكية، ولكن كان قبل كل شئ وضع نهاية لما رآه المحافظون الجدد
الطبيعة المائعة للاستراتيجية الأمريكية الكونية في التسعينات، وذلك بهدف الهيمنة
على أهم المواد الخام في العالم، وهو النفط، حتى تكون الولايات المتحدة قادرة على
السيطرة على القوى العظمى الأخرى لتأمين "القرن الأمريكي الجديد".[5]
وحتى لو أصبحت الإدارة الأمريكية مجبرة على إجراء مساومات كاملة مع أروربا وروسيا
والصين، فإنها سوف تحاول قبل ذلك أن تؤكد قوتها. ومن ثم فإن شن هجوم جديد على
الشرق الأوسط لن يكون فقط ممكنا، لكنه سيكون مرجحاً.
إن الحرب الإسرائيلية على لبنان كانت من وجهة نظر الإدارة الأمريكية انعطافة
استهدفت تسهيل إهانة إيران. لكن الانعطافة تحولت إلى طريق مسدود. والآن، سوف تتجه
غرائز إدارة بوش إلى السير في الطريق الرئيسي للقيام بهجوم من نوع ما ضد إيران.
لكن مشكلتها هي أن ذلك الطريق وعر ومليء بالحفر العميقة التي يمكن أن تأخذ هذه
المحاولات إلى الهاوية – وهذه الحفر العميقة هي سيطرة الشيعة على جنوب العراق،
والثقة والقوة المتزايدة لحلفاء إيران في لبنان، والتعاطف الجارف عبر العالم
الإسلامي تجاه أولئك الحلفاء باعتبارهم القوة الوحيدة خلال 58 سنة التي استطاعت
ضرب الجيش الإسرائيلي.
ويحذر المعهد الملكي للشئون الدولية من أنه: "هناك إمكانية حقيقية جداً لأنه في
حالة قيام الولايات المتحدة بالهجوم على إيران، فإن الأخيرة سوف تلحق بها هزيمة
ساحقة في العراق، وستشعل الحرب على الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط
بأكملها. وحتى الآن، فإن القوى متعددة الجنسية في العراق تكافح من أجل التأثير
على التطورات السياسية في منطقة جنوب ووسط الفرات، مناطق الأغلبية الشيعية، بينما
لا يزال تمرد العرب السنة يحظى بوجود قاتل يوقع الخسائر الكارثية في صفوف قوات
الأمن العراقية الوليدة وداعميها من الأمريكيين. ويمكن أن يصبح هذا الوضع أكثر
خطورة في حالة التدخل الإيراني، إلى الحد الذي يجبر التحالف على الرحيل عن العراق،
تاركا أيران لا باعتبارها القوة المهيمنة التي لا يمكن إنكارها في العراق فحسب،
ولكن أيضاً باعتبارها العنصر المسيطر في الخليج بلا منازع."[6]
إن ما نشهده الآن هو إزمة حادة
بالنسبة للإمبريالية الأمريكية التي تواجه خيارين كلاهما مر، الأول هو الانسحاب
في ظل المأزقين العراقي واللبناني، ولكن ذلك يعني الإقرار بأن التوجه نحو الحرب "بلا
نهاية" من أجل الهيمنة الأمريكية التي لا ينازعها أحد قد فشل. ويترتب على ذلك
تحمل العواقب المرتبطة بخسارة نفوذ المحافظين الجدد في الداخل، وعجز الولايات
المتحدة عن أن تمد نفوذها إلى الخارج. والخيار الثاني هو الرهان بقوة على شن هجوم
على إيران، أو على الأقل، شن إسرائيل هجوم آخر على لبنان. ورغم المخاطر الكبيرة
لهذا الطريق، إلا أنه يبقى الطريق المرجح أن تسير فيه الولايات المتحدة.
إن الحيوان الجريج هو حيوان خطير، وربما من الممكن أنه قبل أن يقرأ الناس هذه
السطور، نكون قد أصبحنا أمام حرب جديدة على نطاق أكبر في لبنان، أو أمام هجوم
أمريكي على إيران. كما أن هناك أيضاً احتمالات قائمة لأن تحاول القوات الفرنسية
والإيطالية في لبنان نزع سلاح حزب الله بفعل الضغط الإسرائيلي.
أكدت حرب الـ33 يوماً على الطبيعة التي لا يمكن التنبؤ بها لـ"الحرب بلا نهاية"
لبوش، وعلى الطريقة التي يمكن أن تُولّد من خلالها تلك الحرب انفجارات مما يؤدي
إلى إلقاء دول بأكملها في أتون الأزمة، وإلى تغيير أفكار الشعوب في المناطق
الأخرى. وتلك ليست هي المرة الأولى التي سيحدث فيها ذلك، ولن تكون الأخيرة. كما
أنها لن تكون المرة الأخيرة التي نرى فيها مقاومة كاسحة – مقاومة تستطيع أن تهز
الحركات العميلة للإمبريالية في الشرق الأوسط وتدفع حركة مناهضة الرأسمالية في
البلدان الرأسمالية الكبرى إلى الأمام