|
بعدالانتصار..لبنان الاقوى مرت سنة على آخر عدوان إسرائيلي همجي على لبنان الشعب والمقاومة والعقيدة والانتماء العربي الصُّراح ـ 12 تموز ـ |
|
|
14 آب 2006 ـ لبنان الذي تعرض لأشكال همجية شتى من عدوان الكيان الصهيوني عليه واجتياحه لأرضه واستباحته لعاصمته بيروت التي نصَّب فيها حكومة موالية له مطلع الثمانينات من القرن العشرين.. مرت سنة مليئة بالمعاناة المرة والغصص والتجاذبات السياسية السلبية الحادة والاتهامات المتبادلة التي أنهكت لبنان كله، وأضعفت العلاقات العربية ـ العربية، وأدخلت النفوذ الأجنبي إليه بقوة وسعة وعمق، وإلى عواصم ومواقع صنع قرار في الوطن العربي بصورة أشد مما كانت عليه، فضلاً عن دخول قوة الاحتلال المباشر وغير المباشر بصورة معلنة أو غير معلنة. مرت سنة على عدوان صهيوني همجي على لبنان، مؤيد أميركياً وغربياً ومن بعض الرسميين العرب، ومسموح باستمراره وإطالة أمده في حينه ليحقق أهدافه، ومسكوت عن جرائمه ونتائجه في المحفل الأميركي الدولي المسمى مجلس الأمن.. عدوان لم يترك بُنْية من البنى التحتية والاجتماعية والسياسية والإنسانية في لبنان إلا استهدفها أو مسّها بأذى عميق ليدمر الدولة ويشعل الفتنة ويقيم اللبنانيين بعضهم على بعض، وينتصر لمن/ وينصر من حارب في صفوف أعداء لبنان ودولته ومقاومته، ويعمل على اجتثاثها بعد حرف سلاحها عن هدفه الأساس وتسويغ انتزاعه بسبب انحرافه، الأمر الذي وعته المقاومة اللبنانية وفوتته بذكاء وحكمة وحنكة وبراعة تهنأ عليها. مرت سنة عانى فيها لبنانيون مُرّ العيش وما زال كثيرون ممن شردتهم الحرب العدوانية الصهيونية القذرة أو دمرت ممتلكاتهم ومقومات حياتهم وألحقت بهم البؤس، مازالوا في العراء محاصرين بالحاجة والألغام والقنابل العنقودية التي زرعها الإرهاب الصهيوني في جنوب لبنان ـ 500 ألف لغم ومليون قنبلة عنقودية إسرائيلية ـ يتمسكون بمواقعهم على الأرض وبمواقفهم المقاوِمة وبقيادتهم التاريخية الفذة وبانتمائهم لأمتهم العربية وقضاياها المصيرية، يقبلون على نصرهم الذي أنجز بالدم والبطولة والشجاعة والصبر والإيمان يمدونه بعزم وإرادة وقدرة على التجدد والكفاح، ويقدمون له ما تبقى من فلذات الأكباد. مرت سنة وأرض البقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وجبال العامليين، " من بني عاملة"، صمود وإرادة وثقة بالله وبالنصر، فرحون باحتضان الشعب العربي من المحيط إلى الخليج بنصرهم، لا يثنيهم وقوف رسميين عرب من أبناء جلدتهم.. من لحمهم ودمهم، ووقوف شرائح ممن يسمون أنفسهم " مثقفين" من أبناء أمتهم، وقوفهم ضد انتصارهم على العدو الصهيوني الذي انهزم أمام صواريخهم وصمودهم وتضحياتهم الكبيرة، ولا فت في عضدهم قول من يريدون الانتقاص من هذا النصر وتصوير العدو منتصراً وهو يعلن هزيمته ويدين قادته بتقارير لجانه الرسمية ـ لجنة فينوغراد و لجنة ليفكين - شاحك ـ كأنما يسيء إليهم انتصار بعض أبناء الأمة على الصهيوني عدو الأمة العربية والإنسانية كلها، ويذهبون في توصيف ذلك الانتصار مذاهب كريهة كأن يقول البعض إنه انتصار "شيعي أو إيراني أو..إلخ؟ شيء مؤسف مؤلم مستفز ومثير بكل الصيغ والمعاني والتفاسير.. ولا أدري ما الذي يعيب انتصار أي عربي أو أي إنسان من أي لون أو عرق أو مذهب أو دين، انتصاره على الاحتلال والعنصرية وإرهاب الدولة والكراهية المتجذِّرة في الاعتقاد والسلوك، وجرائم الإبادة المنظمة والسطو المسلح على الممتلكات والمقدسات والمدنيين العزل.. سواء أكان ذلك في فلسطين ـ المنكوبة بالاحتلال الصهيوني وبمن يتواطأ معه ويربط مصيره ببقائه ويتجسس على المقاومة الوطنية ويتهمها بشتى التهم، مطلقاً العنان للحقد وللافتراء من كل نوع ـ أو في لبنان أو العراق أو الصومال أو أفغانستان أو أميركا الجنوبية.. في إفريقيا أو في آسيا.. إلخ.. وأتساءل بمرارة ما الذي يضير وطنياً مخلصاً، وإنساناً سوياً ومؤمناً بأي دين، ومثقف من أي اتجاه مسؤول عن الموقف والكلمة والفكر والقيم، ما الذي يضيره من انتصار مقاومة، أية مقاومة على وجه الأرض، على الاحتلال والعنصرية والإمبريالية والشر والسلب والقرصنة والهيمنة والفساد والإفساد الذي تمثله الصهيونية والإمبريالية ويؤسس له الغلو والتطرف، وتقوده اليوم الولايات المتحدة الأميركية التي يحكمها متطرف هو أشد عنصرية من أي متطرف عرفه العالم منذ خمسين سنة على الأقل، يتهم الناس على الهوية ويرسل صواريخه وطائراته وجنوده عبر العالم ليحتل أرض الآخرين ويقمعهم ويبتزهم؟! على الأرض لبنان السياسي في اختصام داخلي مستمر بين سلطة ومعارضة تتبادلان المسؤولية عن كل ما يجري في لبنان، ونتمنى أن يضع لها الحوار اللبناني ـ اللبناني الأخير في " سان كلو ـ فرنسا" سقفاً أو حداً ليعود شيء من الاستقرار إلى لبنان هو أحوج ما يكون إليه، ليتعافى من جراح الحرب ويقطف ثمار الأمل التي خلفها انتصار المقاومة على جيش الإرهاب الصهيوني المنظم والمدعم بكل شيء من الولايات المتحدة الأميركية والغرب. وفي العلاقات العربية والدولية ثغرات مأساوية وهوات سحيقة لا تردمها جهود جامعة الدول العربية، فهل نحن من بعد ذلك أمام ذكريات ودروس ووقائع ومتغيرات على الأرض، وحسابات واستعدادات وتحالفات في كواليس السياسة لمواجهة أو مواجهات قادمة لها امتداداتها و" تحالف معتدليها ومحور متطرفيها كما يصنفون" ومن يستقطب هنا وهناك في قوس الصراعات والعلاقات الممتد من الداخل الاجتماعي والسياسي داخل لبنان وفلسطين المحتلة والعراق والسودان والصومال إلى الأفق العربي والإسلامي والدولي المعني بهذه المنطقة عناية من نوع خاص.. أم أننا أمام ذكريات تنضم إلى مخزوننا الضخم من الذكريات؟ أم أمام أسئلة واستنتاجات تساهم نتائجها في رسم صورة المستقبل الذي يحمل نذر عدوان جديد، وهزائم تلوح في الأفق، ومواجهات ذات قواعد مختلفة عما سبق حرب الصهاينة الأخيرة على المقاومة في لبنان؟ من المؤكد أن هناك استعدادات لمواجهات دامية ومدمرة، التوقيت غير محدد ولكن الشر قادم، وسواء ابدأ في لبنان أو إيران أو سورية أو غزة فإنه لن يتوقف عند تلك الحدود. ولكن المقاومة لا تلملم أوراقها ومقاتليها وتتوارى، بل تتهيأ للأسوأ من المواجهات.. وتعانق الفرح في موسم النصر في لبنان. لقد نثر المنتصرون في لبنان أعلامهم اليوم فوق الذرى والقرى والمدن التي شهدت المعارك البطولية والصمود الفذ.. نشروها خصوصاً في بنت جبيل، ومارون الراس، وعيتا الشعب، ووادي الحجير، والغندورية، وفرون، وتلة العويضة في عديسة، وتلة العقبة في رب تلاتين، في الطيبة ومركبا، والقنطرة، وعدشيت القصير، ووادي البراك، وضفاف الليطاني، وفي مواقع كثيرة من بيروت وضاحيتها الجنوبية والبقاع.. وقالوا كلمتهم: لبنان أقوى بنا، أقوى بمقاومته على الرغم من وجود القوة الدولية التي جاء بها العدوان إلى الجنوب، لبنان محمي بدمنا وسلاحنا وإرادتنا، نحن هنا ولن يدخل الأعداء.. لقد تغير لبنان وتغير الجنوب وتغيرت المقاومة.. وعلى من يريد أن يستخلص العبر والدروس أو أن يضع الخطط لانتزاع سلاحنا أو تفكيك مقاومتنا، عليه أن يدرك أننا حين نتذكر ما مر قبل سنة أو منذ ستين سنة على هذه الجبهة، ونؤبن شهداءنا ونذرف الدمع على أعزة فقدناهم فإننا نزداد إيماناً وقوة وعزماً وانتماء لأرضنا وأمتنا وديننا واستعداداً للتضحية في سبيل البقاء والنصر. لقد انتهى عهد النزهات الصهيونية في أرضنا والقتل المجاني لأبنائنا، وجاء وقت تسديد الحساب للاحتلال وكنسه من أرضنا والقضاء على نفوذ الأجنبي في وطننا العربي ابتداء من بلدنا لبنان الذي ترفع نساؤه اليوم راية المقاومة وصور الشهداء ورموز الانتصار فوق البيوت المدمرة، ويعلن أنهن أول المقاومين ولا يوجد آخر لهن، فلن يكون هناك استسلام لأعداء الإنسانية والسلام. إن المقاومة الوطنية والعربية والإسلامية ضد الاحتلال، في الذكرى الأولى لانتصارها في لبنان، تدرك أنها محاطة بالأعداء وتحالفاتهم وحتى مع رسميين عرب يقفون ضدها، وأن هناك أخطاراً تحيق بها، ولكنها موجودة وتتقدم وتصمد وتستعد للأسوأ، إنها تجمع صفوفها وتنظف تلك الصفوف وتتجه نحو العدو المحتل في العراق فتضعفه وسوف تضطره للانسحاب والهزيمة، ونحو الصهيوني المحتل في فلسطين ولبنان وسورية وتستمر في التصدي له.. إنها صامدة وقوية تتمسك بسلاحها ومبدئيتها، وهي في فلسطين كذلك وتراجع خطواتها وتحرص على الحوار ووحدة الأرض والشعب والهدف.. والمقاومة تسكن وجدان الشعب العربي وشعوب العالم الإسلامي وتتجذَّر فيه.. وهي قادمة في الجولان الذي يعلن عن تشكيل مقاومة تقوم بدورها في التحرير. ليس أمام شعبنا سوى المقاومة فهي الخيار والطريق، ولها هدف نبيل وثمن باهظ وزمن قد يطول.. ولكن الإنسان لا يعيش من دون حرية وكرامة، والمقاومة طريق الحرية والتحرير والكرامة. الحياة مقاومة للموت ولكل ما يشكل موتاً في الحياة من فساد وانحلال وضمور قيم وضمائر ومسؤوليات وملكات وحقوق وحريات ومساحات إبداع. الحياة مقاومة مستمرة، والفكر والأدب، في بعض الأوقات والحالات، نسغ تلك المقاومة الذي يسري في شعاب القلب والروح ليبعث الحيوية ويجدد الحياة ويحرّض على فعل المقاومة. وحين يتعرى القلب، وتتشقق جذوع الروح، وتقف هيكلاً عظمياً باهتاً مرمدّاً يقاوم الهلاك والتهالك والتهافت والسقوط، يسري سحر كلمة صادقة منقذة ليبدع الحياة ويبعثها إرادة حرة متوثبة، ولينعش هيكل الروح فيخضرّ ويخضَلّ ويزدهر ويقبِل على ما في الكأس من بقية، حتى وهو يغالب ترسبات الحنظل فيها. والأدب والفكر والإبداع.. روح تمرد، وامتداد مقاومة من ضفة الثورة على الجمود والتخلف والظلم والقهر إلى ضفة الاستشهاد تمرداً ومقاومة واستشهاداً من أجل العقيدة والهوية والانتماء والحرية والكرامة والعيش في ظل أمن من جوع وخوف. وعناق المقاومة والأدب
ليس عرضياً في الحياة، فهو موجود في كل تجليات المقاومة والإبداع والحياة، وليس
حادثاً فيها بل يكاد يشكل تليدَها وتطلّعها ودليل وجودها الأساس. وإذا تلمسنا
معارك الأمم في الأدب وجدنا طوفاناً من ذلك الإنتاج المعبر عن تلك المعارك يكاد
يطغى على كل ما عداه. والأمم تقف على أعتاب مبدعيها ومفكريها وقادتها الروحيين والميدانيين حينما تعصف بها الحوادث وتغشاها الخطوب وتأخذها دوامات السياسة وتصاب باضطراب الرؤية أو باضطراب الروح.. ولا تقف أبداً على أبواب المنحلين والمتخاذلين والعملاء ودعاة الانحلال والضائعين المضيعين ممن يصعرون خدودهم للحقائق والناس بتعال مريض وغطرسة كريهة. الأمم يوقظها حُداتُُها من سباتها وسهواتها وينتشلونها من كبواتها لأنهم يشعلون الحرائق في أوردتها وشرايينها ليجدد الحريق وهجُ الأعماق ورؤيةَ الأحداق وعصف العقول وحيوية الروح، ويجدد قدرتها على الاستشراف والإدراك بالبصائر والأبصار.." فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". والأمم حين يفسد فيها معيار القيمة وقيم الحياة، ويُضَخُّ في دروبها ما يجعل سيرها تخبطاً في طين زلق وفكر معوّق لزج هجين ومشوش، تحتاج إلى أجنحة الشعر، وإرادة الفكر، وسحر النثر، وشرف الكلمة، ونقاء الشهادة، وأصالة الانتماء، لتتجاوز المفاوز الخطرة والمهالك المنتشرة في دروبها.. وربما كان أخطر ما يمكن أن تواجهه في هذه الحالة فساد الكلمة وفساد رؤية أهلها في حال فسادها وفساد أهلها، وتسخير القلم والعقل للتثبيط والتشويه والتيئيس. الكلمة شرف.. والكلمة مسؤولية.. والكلمة موقف.. والكلمة اختيار واع لمنتمين مدركين تماماً لمسؤولياتهم وواجباتهم وقدراتهم على التأثير والتغيير، ولمعاني الاختيار وتبعاته؛ والكلمة ليست بلا تأثير.. إلا إذا رضيت أن تكون بهرجة وتهويماً وضلالاً وشيئاً من زينة أو بضاعة في السوق معروضة لما يُعرَض في سوق العرض والطلب، ومعرَّضة للتلف والكساد أيضاً، إذ هي تعرض نفسها في سوق الكلام وأسواق المواقف. الكلمة دم روح ينزف بشرف على الورق.. وهي الصنو المتميز لجسد وروح في شهيد ينزف على تراب الوطن وفي أسير أو معتقل يتعذب من أجل الوطن.. وهي ترفع مكانتها ومكانة أهلها بمقدار ما ترتفع.. ويرتفعون في اختياراتهم وأهدافهم ورسالتهم ومستويات تعبيرهم، وفي المواقف التي تعبر عنها الكلمة والمعارك التي تخوضها والانتماء الذي تعليه والاختيار الذي تختاره. الكلمة شرف.. لا يقل عن شرف الشهادة، وسلاح في وجه أعداء الحياة والحرية لا يقل تأثيراً عن السلاح.. وحين يتآخى شرف الكلمة والرسالة مع شرف الشهادة، وحين تكون المقاومة من أجل تحرير الوطن والإنسان والإرادة من أشكال الاحتلال والاستعمار والعنصرية.. والفساد والإفساد والانحلال، وتكون جذراً وجذعاً مشتركاً لهما.. فإنهما الكلمة والرسالة، تعطيان ثمراً يانعاً، وتشرِقان في سماء الحياة قوة عادلة، وحرية مشرقة، وانتماء مؤثلاً، وكرامة رفيعة، وسعادة تليق ببني البشر على أرض البشر. فهل كثير علينا، ونحن أمة اقرأ، أن نتطلع إلى مقاومة وأدب في خندق واحد مُقاتل من أجل الحرية والتحرير والنهضة وحياة اجتماعية وثقافية وسياسية عربية تليق بالإنسان وبتاريخ أمة عربية وإسلامية لهما ما لهما في سجل الحضارة الخالد، وبعقيدة عزَّ بها العرب، كانت وما زالت مصدر إشعاع حضاري وعدالة وسمو عقيدة تحتاج إليه البشرية ؟! إنه السؤال المطروح بإلحاح في الذكرى الأولى لصمود المقاومة وانتصارها في جبهة المواجهة اللبنانية ضد الاحتلال، وبمواجهة التحديات التي تكبر في وقتنا الراهن.. وهو الوقت الذي نحيي فيه المقاومة وبطولاتها وتضحياتها وصمودها وعزمها على الاستمرار في مواجهة الاحتلال العملاء والفتنة والطغيان والفساد والإفساد. |
|