كأنـــــه اليوم


ما بين يوم 14 آب 2006 ويوم 14 آب 2008 سنة كاملة.
هذا اليوم ما زال هو هو من حيث مشهده في إعلان إفلاس العدو وانهزامه وانتصار المقاومة، ورائحة العز التي تفوح منه يشتمّها كلّ ذي أنف نظيف، اعتاد على روائح النصر المليئة بالعزة والكرامة، ولكن ما بين هذين اليومين وقفة ولفتة لا بد منها.
14
آب 2006، هو يوم التدافع لعودة النازحين إلى قراهم، إلى بيوتهم وأراضيهم، يوم عظيم، والناس في غمرة من المشاعر التي يعجز الكلام عن وصفها، يدركون أنهم صمدوا، وعودتهم هي عودة الإنتصار، تبرق عيونهم ببريق البهجة، يتفقّدون بعضهم بعضا، يواسون بعضهم بعضا.. يوم انشغل الناس فيه عن كل شيء، وفي اللحظات التي يعون فيها حجم الحدث، وحجم الإنتصار الإلهي، يطالعهم أركان السلطة بالتشكيك والكلام الذي أقل ما يقال فيه إنه استكمال لعملية ذبح باشرتها إسرائيل، وعجزت عنها رغم كل عتوّها، العيون شاخصة والقلوب واجفة، والريبة من أركان السلطة تحوّلت إلى يقين... لكنها أيضاً ما استطاعت استكمال عملية الذبح، إذ هي أعجز من أن تحقّق شيئاً...
يومها، تعالى أهل الصمود على الجراح وصمتوا، وتابعوا يوماً بعد يوم إمعان السلطة في التخفيف من ذلك الوهج الذي كان يجب أن يكون لكل الدنيا كما استحق ذلك عن جدارة، والذي كان يجب أن يجعل لبنان كوكباً دريّاً في سماء البلدان، لكنهم لا يستحقون ولو النزر اليسير من هذا الوهج وهذا الإنتصار الإلهي... وكل ما فعلوه من كيد وكيد ارتدّ عليهم، ولم تكن نتيجته سوى حرمانهم من بعض شرف لا يستحقّونه، فعاثوا فساداً وإفساداً، وتجبّراً وتنكّراً لأهل المقاومة والصمود، استفادوا واستفادوا وهدروا أموال الناس التي جاءتهم ظلماً وعدواناً، وأمعنوا في ممارساتهم الكيدية. ولكن مع كل هذا، هل أفلحوا في خنق الإنتصار؟!
لقد أرّخ العدو لهزيمته النكراء، وأدلى بالإعتراف تلو الإعتراف، وأصدر التقرير تلو التقرير، وتطايرت معظم الرؤوس المسؤولة سياسياً وعسكرياً، وأولمرت يسعى لتطيير اللجنة كي لا يطير رأسه في النهاية.
هزيمة الصهاينة واقعة أرّخها العدو لنفسه، والإنتصار هو الإنتصار وسيبقى الإنتصار.
نعم 14 آب 2006 مدموغ بأنه يوم الإنتصار الذي لم يسبق له مثيل، وسنحتفل به بكل هدوء الأعصاب التي استفزّوها على مدى عام، ولنقول لهم أننا انتصرنا وأن زمن الهزائم قد ولّى وجاء زمن الإنتصارات، فلتكفّوا عن غيّكم، وفكّروا ملياً بمصلحة هذا الوطن، لأننا لن نساوم عليها، ولبنان الوجه المقاوم المشرق سيبقى هكذا، وستبقى المقاومة.
فليهنأ المنتصرون في عيدهم، وليفرح كل قلب محب للمقاومة في يوم 14 آب.

ما بين 14 آب 2006 و14 آب 2008
صباح الإثنين 14 آب 2006 كان موعد وقف العمليات العسكرية في الثامنة صباحاً، وكان ذلك موعداً لبدء عودة النازحون عن ديارهم، كانت السيارات متّجهة قوافل قوافل نحو الجنوب ونحو الضاحية والبقاع من أماكن نزوح الناس وإلى كل مكان رغم صعوبة الطرقات التي أحدثت فيها آلة الدمار الإسرائيلية دماراً رهيباً، وكانت إشارات النصر ترتفع عالياً.
كنت أراقب كل ذلك عبر التلفاز، وأسمع الجدالات التي ارتفعت وطغت وكأنها تريد أن تأكل عيد النصر بزبدها المتفجّر حقداً، والأسوأ كانت تلك الأصوات التي ارتفعت من قلب لبنان، في الوقت الذي ما زال أنين الأطفال وآهات الثكالى والأرامل وعذابات الجرحى يملأ الأجواء.
وسط كل ذلك ترتفع الأصوات النكرة لترخي بظلالها على جمهور المقاومة فتتفجّر في دواخلهم غيظاً!
الناس تغلي كبركان ثائر على ذلك الظلم الفظيع، ولظلم ذوي القربى أشد مضاضة وأقوى، فيأتيهم صوت سيد المقاومة ليبرّد قلوبهم، ويضمّد جراحاتهم، ويملأ عليهم أحاسيسهم بما لا يوصف.
نعم، أنا نفسي عندما انتهى من كلامه، كنت أقفز عن الأرض فرحاً، بل أكثر من الفرح!
إنه إعلان الإنتصار، وليس أي انتصار!
هو الإنتصار الاستراتيجي التاريخي الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الأمة، وجاء ردّه الصاعق على تلك الأصوات النكرة بما يتناسب مع حجمها، إنها ليست موجودة لا تكنّوا لها أي اعتبار.
فليأكلهم غيظهم وغّيّهم وحقدهم... وليتابعوا مسلسل الأذى الذي بدأته إسرائيل، وليقولوا ما يشاؤون...
ونحن هنا، نحن شعب المقاومة، لا نحني هاماتنا إلاّ لخالقنا، هو الذي يعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، وليس بعد هذا العز عز!
فوالله أشعر أن قلبي يرقص في مكانه، فانتفض وينتفض من حولي لأن الفرحة لم تعد تسعنا، حتى أطفالنا الصغار الذين حفظوا أناشيد المقاومة ساروا في الطريق كتظاهرة عفوية يهتفون بأعلى أصواتهم، يسخرون من طائرات العدو لتعلو أصواتهم من جديد "لبيك يا نصر الله"
الكبار علت أصواتهم بالمباركة، بالهتافات.. وانطلقت المفرقعات تلوّن الأجواء، إنه شعور لا يوصف!
شعور بالعزة والكرامة ، شعور بالنصر، رغم كل الألم
الألم مع آلام من كان له النصيب الأكبر في التضحية، مع أهالي الجرحى والشهداء، ندرك أن الشهداء في سعادة عند ربهم ليس بعدها سعادة، لكن نتألّم مع أهاليهم لفقدهم ونتألّم لآلام الجرحى الذين ما زالوا يعانون، ونتألّم لمن فقدوا أشياء عزيزة عليهم، ونشعر بالعزّة حتى أمام كل ذلك الدمار الوحشي، فنهزأ من جبروت تلك الطائرات التي عجزت عن تحقيق أبسط الأهداف، وسنبني من جديد، سنبني بأفضل مما كان الحال عليه، ونقول للعدو ما قاله سيد المقاومة :" كد كيدك، وناصب جهدك واسعَ سعيك فإنك والله لن تمحو ذكرنا ولن تميت وحينا".
" ويريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركون."


وانتصرت المقاومة رغم جمع المعتدي
لأول مرة في التاريخ تنشب حرب لا تجد من يطالب او يحاول إيقافها إلا بعد ان تستوي لغير صالح المعتدي ،عندها تجد الجمع الذين يقفون خلف المعتدي يحاولون كل جهدهم وخباثة دبلوماسيتهم ودهاء السياسية لديهم ان يوقفوا هذه الحرب بشروط لصالح المعتدي الصهيوني المنهزم ،وتقف الحرب ويبدأ الجمع نفسه التشكيك في مدى انتصار المقاومة والتلويح بسحب سلاحها وإبعادها عن الواجب في ما عجز عنه المعتدي ذاته بما جمع من قوة وسلاح وأسطورة ،بهتت وكسرت وهزمت على يد المقاومة .
نعم انتصار المقاومة مجلجل استراتيجي وتاريخي غير قواعد الصراع العربي الإسرائيلي وقطع دابر المشاريع الامريكصهيونية،الم تخبركم وزيرة الخارجية الأمريكية رايس ان هذه الحرب مخاض لشرق أوسط جديد (شعاره ومضمونه القضاء على المقاومة والبقاء لإسرائيل ) وها هي المقاومة تدفن أحلام رايس وأمريكا وإسرائيل وجمع المعتدين وتضع الكيان المغتصب لأول مرة منذ قيامه على بوابة زواله القادم بأذن الله .
نعم انتصار يفرح له المؤمنين لأنه افشل كل أهداف المعتدي من هجومه الوحشي غير المسبوق في التاريخ فلم يستطع ان يعيد الجنديين المأسورين وبقيت كلمة سيد المقاومة هي العليا بأنهم لن يعودوا ولو جاءت الأرض كلها إلا بالتفاوض غير المباشر والتبادل كذلك لم يستطع هذا العدوان ان يوقف الصواريخ التي دكت مستعمراته بل ازدادت إضعاف ما كانت في بداية العدوان ،ولم يستطع أيضا ان يجتاح الجنوب ويبعد حزب الله عن شعبه وأرضه وقواعده وبادت أحلام هذا العدو أوهاما حين أعلن عن عزمه القضاء على حزب الله وتصفية قادته.
نعم انتصار غير مسبوق حين حطم أسطورة الجيش الذي لا يقهر ودمر عبقرية الأجهزة الاستخبارية الصهيونية التي تخترق ولا تخترق حين قصف معسكرات جيشه ومواقع قياداته أمام عجز العدو في الحصول على معلومة واحدة تخدمه وتحفظ ماء وجهه.
نعم انتصرت المقاومة بسمو فاق التوقعات حين عرت الوحش الصهيوني المعتدي وكشفت للعالم كله مبررات ثباته التي قامت على المجازر والغطرسة والهمجية لم تفرق بين الأطفال والنساء والشيوخ وبين المقاتلين فتعمدت هؤلاء المدنيين والأبرياء بوحشية سجلها التاريخ في الفضائيات عبر العالم كله إمام عجزه وجبنه واندحاره في مواجهة المجاهدين من أبطال المقاومة، فمن سوف يحدثنا عن السلام بعد ذلك أمام شهر من المجازر وصورها وصراخها وأنينها الذي لا يمحى من الذاكرة.
وإذا كانت مجاميع الانتصارات المجلجلة هذه لا تقنع المشككين وجمع المعتدين فأننا نحيلهم الى اعترافات وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق شاؤول مفاز حين قال (علينا ان نعترف بالهزيمة ) وما قاله أيضا زعيم المعارضة الليكودية بنيامين نتنياهو حين قال أمام الكنيست (الحكومة فشلت في تشخيص وإدارة الحرب )، أما الأهم الذي يجب ان يقال لهؤلاء الجمع هو ان كل هذه الانتصارات التي سطرتها المقاومة في هذه المواجهة الملحمة والتاريخية في عمقها ومضامينها وإبعادها إنما هي البداية التي فتحت البوابة وسنرى العز في قادم الأيام.