في الذكرى السنوية الاولى لانتصار المقاومة نستعيد مشاهد التضامن الوطني والقومي، ونعيش من جديد تلك اللحظات التاريخية المجيدة من حياة امتنا، ونترنم بأخبار تلك الكوكبة من

 

 
 

المقاومين الأشاوس التي استطاعت، بما أنجزت، تحقيق تحول جذري في مسار الصراع مع العدو الغاشم.

ولو أردنا تلمّس الآثار والتأثيرات الايجابية التي تمخض عنها انتصار المقاومة لأجملناها في النقاط الآتية:
أولاً: تحطيم الاساطير الصهيونية: فانتصار المقاومة في لبنان غيّر وجه التاريخ في المنطقة، وأعاد الى الأمة الثقة بنفسها وبقدرتها على الصمود والتغيير، ونسف الكثير من الاساطير التي روّجها العدو الصهيوني ورددها انصاره من ذوي النفوس الضعيفة. ومن هذه الاساطير:
.1 اسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر. فقد هزمته قلة من رجال مسلحين بالايمان والعزم. وهذا يعني ان استمرار الخلل في ميزان القوة العسكرية بين العرب والعدو وهم كبير، وان حلم العدو بالتفوق العسكري الدائم قد تضاءل او تبخر.

.2 اسطورة بقاء اسرائيل الى الأبد، واستحالة القضاء عليها. فالسوابق التاريخية تؤكد ان كل نظام استعماري، او امبريالي، او استيطاني، او فاشي، او عنصري، الى زوال، مهما يطل الزمن. والمشروع الصهيوني، المرتكز حاليا على حماية بعض القوى الغربية، قابل، اذا حسنت النيات والمخططات العربية، للهزيمة والانهيار، فهو لا يختلف في شي عن المشروع العنصري في جنوب افريقيا، والمشاريع الاميركية التي تنادي بالديموقراطية والحرية وتنطوي على اساليب القمع والارهاب والابتزاز.

.3 اسطورة الوساطة او الرعاية او الصداقة الاميركية. فالادارة الاميركية اثبتت، بكل ما صدر عنها من تصرفات ومواقف، منذ الاربعينات من القرن الماضي، انها منحازة حتى العظم للصهيونية، ومعادية حتى النهاية للعرب أجمعين، وانها لن تتزحزح عن موقفها هذا الا عندما يقرر العرب مجتمعين انتهاج اسلوب فيدال كاسترو وتشافيز في التعامل معها، او اسلوب غاندي في قهر بريطانيا، او اسلوب ابطال الجزائر في دحر فرنسا، او اسلوب ثوار فيتنام في اذلال اميركا.

ثانيا: انتزاع انتصار جلل من العدو، ذلك لأول مرة منذ اقدامه على اغتصاب جزء من الوطن العربي، ودون الاضطرار الى اجراء مفاوضات ومساومات او تقديم تنازلات مذلة. وقد اسقط هذا الانتصار الوهم او التوهم السائد بأن التصدي للعدو أمر مستحيل، او خط احمر، او مغامرة فاشلة.

ثالثا: اعادوا الاعتبار الى عنصر الارادة والصمود والمواجهة ودور القوى والحركات الشعبية في تعويض الخلل الحاصل في ميزان القوى مع العدو، وذلك بعد ان عجزت او احجمت معظم الانظمة العربية، ذات الجيوش المدججة بالسلاح، عن انجاز هذه المهمة القومية.

رابعا: البرهنة على ان الانسان العربي قادر، اذا احسن تدريبه واعداده، على الجمع بين الايمان والعلم، وبين النضال والتكنولوجيا، أي قادر على استخدام احدث الاسلحة وتنفيذ ادق المخططات العسكرية والنوعية. واصابة المدمرة الاسرائيلية (ساعر) وتدمير العشرات من دبابات الميركافا، وتوجيه الصواريخ الى عمق الارض الفلسطينية المحتلة، خير دليل على هذه القدرة والبراعة، وخير شاهد على اتقان المقاومة فن التخطيط والتنفيذ.

خامسا: تكريس المقاومةاللبنانية مثالا يحتذى في تحرير الارض العربية من رجس الاحتلال، وتحرير الارادة العربية من آفات الخنوع والتخاذل. فنجاح المقاومة في لبنان ادى الى تغيير اللعبة في المنطقة، وارسى اسسا جديدة لحركة الصراع ضد العدو، وجعل من المقاومة الحافز الملهم لكل عملية تغيير او تطوير في الوطن العربي.

سادسا: اقناع المسؤولين العرب بأن الغطرسة الصهيونية، والهيمنة الاميركية، واللامبالاة العالمية، ليست قدرا لا يُرد، او علة لا تزول. ان ضعفنا او تخاذلنا هو الذي يغري الاخرين بالحط من شأننا والاستخفاف بمصالحنا.

سابعا: ايقاظ الذاكرة الجماعية العربية، وتحريك عوامل التململ والتمرد في الروح العربية فبعد عقود طويلة من التشرذم والخلافات والهزائم والمفاوضات الفاشلة استفاق الضمير وانتفض الوجدان وحلّت لحظة الحقيقة. والحقيقة هي اننا ارتكبنا خطيئة كبرى في حق الوطن ومستقبل الاجيال عندما تركنا العدو الصهيوني يتسلل الى ارضنا ويعمل علنا وعمدا، رغم طاقاتنا وثرواتنا الفلكية، على شل قدراتنا وتشويه سمعتنا وتخريب وجودنا.

ثامنا: احداث زلزال في الكيان الصهيوني تجلى في الاستقالات والانقسامات والخلافات والتداعيات، وفي ايقاع البلبلة والقلق في صفوف مجتمعه السياسي والشعبي، وفي هز ثقة الاسرائيليين بالمشروع الصهيوني وآلته العسكرية.

وفي الخلاصة نقر بأن محاولات عديدة وحقيقة جرت لتشويه صورة المقاومة وجوهرها، وطمس معالم الايجابيات الكبرى لانتصارها. ونقر كذلك بأن العدوان تمكن من هدم جزء كبير من البنية التحتية في لبنان، والحق اضرارا فادحة في المؤسسات، ولكنه لم يحقق هدفه الاستراتيجي الذي يتلخص في اذلال لبنان، وارجاعه الى عهد المتصرفية، وانتزاع اعتراف منه بشرعية الوجود الصهيوني. فلبنان رائد ممتاز في العمل القومي وفي تجاوز الازمات والنهوض من الكبوات. وابناؤه باتوا يؤمنون بأن المقاومة تشكل قوة العرب الحقيقية، وبأنها غدت السبيل الأفضل والأجدى للتحرير، وبأن على اللبنانيين والعرب الالتفاف حولها وحمايتها والاستفادة من خبراتها وانجازاتها، وبأن الوفاء لذكرى انتصارها يكون بصون الوحدة الوطنية وازالة الحواجز بين اللبنانيين، والتخلي عن فكرة الرهان على الخارج والاستقواء به، والانكباب على بناء الدولة الديموقراطية، وتعميم نظام العدالة الاجتماعية، وتحرير المواطن من قيود الطبقية والتبعية والطائفية، وتعزيز انتماء لبنان الى أمته وقضاياها العادلة، والخروج من عصر الجاهلية الجديد المتمثل بالتطرف في الافكار، والعنف في الاساليب، والجهل في جوهر الدين، والسعي لاسقاط كل بدل للعروبة الحضارية، القادرة وحدها على لم شمل الامة وما فيها من خصوصيات وطنية او طائفية او عرقية.
صحيفة السفير اللبنانية